رجوع الدم للتدفق بصورة طبيعية في القلب: رحلة كريستوف نحو التعافي

09/01/2026
يظهر كريستوف من سلوفينيا وهو واقف ووراءه حائط قصير يظهر خلفه منقة  طبيعية فيها أشجار وماء.
كريستوف من سلوفينيا

كريستوف طفل وديع من دولة سلوفينيا. بدأت رحلته مع هذا المرض قبل ولادته بزمن طويل. علم والداه أن طفلهما يعاني من حالة مرضية بالغة الخطورة في القلب خلال الأسبوع العشرين من الحمل. فقد تم تشخيص عدة عيوب خلقية في القلب خلال الفحص الروتيني، من بينها تَغيُّر مجرى الشرايين الكبيرة الخلقي (سي سي تي إيه- ccTGA)، وضيق الشريان الأورطي، وعلل الحاجز البطيني المحيط بالغشاء (في إس دي - VSD)، وعيب الحاجز الأذيني الثانوي (أيه أس دي - ASD).

 

أوضح والداه، تاديجا وديجان، أنه عقب ولادة كريستوف تم تأكيد جميع التشخيصات مرةً أخرى.

 

يُعدُّ تَغَيُّر مجرى الشرايين الكبيرة الخلقي أو  ال (سي سي تي إيه) حالة نادرة تنعكس فيها وضعية حجرات القلب السفلية والشرايين الرئيسية الخارجة منه. ورغم استمرار تدفق الدم في الاتجاه الصحيح، إلا أن بنية القلب لا تسمح له بالعمل بكفاءة على المدى الطويل. في حالة كريستوف، ازدادت حالته تعقيدًا بسبب ضيق الشريان الأورطي، الشريان الرئيسي الذي ينقل الدم من القلب إلى الجسم، بالإضافة إلى وجود ثقبين في الجدران التي تفصل بين حجرات القلب.

 

في ثالثِ يومٍ بعد ولادته، خضع كريستوف لأول عملية جراحية لإصلاح ضيق الشريان الأورطي. وبعد مرور ستة أسابيع، تم وضع رباط للشريان الرئوي للمساعدة في تنظيم تدفق الدم إلى الرئتين من أجل أن يصبح جاهزاً لإجراء جراحة أخرى.

 

كان من حسن حظ كريستوف أن تم تشخيصه بمرض ال (سي سي تي إيه) أثناء الحمل، مما سمح ببدء العلاج قبل ظهور أي أعراض واضحة. في الأسابيع الأولى بعد الولادة، كانت مشكلته الأكبر هي تناول الطعام، ولكن لحسن الحظ، سرعان ما تم إيجاد حل لهذه المشكلة أيضًا.

ظلت حالة كريستوف مستقرة خلال السنوات القليلة التالية بفضل الأدوية والمتابعة اللصيقة والدائمة.

 

حرصنا على رعاية كريستوف عناية فائقة وتجنبنا التجمعات الكبيرة من أجل أن لا تصيبه عدوى. وقررنا بناءً على توصية الأطباء بأن لا نرسله للإلتحاق بروضة الأطفال، وظل في المنزل مع والدته طوال الوقت.

كان كريستوف في الثالثة من عمره عندما سافر رفقة عائلته إلى مستشفى جريت أورموند ستريت (جوش - GOSH) في لندن لإجراء عملية جراحية. ونظرًا لندرة الحالة المصاب بها في القلب ودرجة التعقيد الملازمة لها، قام أطباء القلب في عيادة طب الأطفال في عاصمة سلوفينيا -ليوبليانا- بإحالته إلى مستشفى جريت أورموند ستريت لتلقي العلاج المتخصص.

يظهر كريستوف ووالداه -تيديجا وديان- بينما كريستوف محمولاً على ساعد أبيه وهو في رفقتهما أمام طائرة في طريقهم إلى مستشفى جريت أورموند ستريت.
كريستوف، ووالداه تيديجا وديان في طريقهم إلى مستشفى جريت أورموند ستريت.

في مستشفى جريت أورموند ستريت، قام استشاري جراحة القلب والصدر، الطبيب الجراح مارتن كوستولني، بالإشراف على رعاية كريستوف. خضع كريستوف لعملية جراحية معقدة للغاية تُعرف باسم "عملية التبديل المزدوج"، وهي عملية تهدف إلى استعادة تدفق الدم الطبيعي عبر القلب. وكجزء من الجراحة، تم إستخدام رقعة لإغلاق الفتحة بين حجرات ضخ الدم في القلب.

 

أوضح السيد كوستولني قائلاً: "يتم فتح حجرات القلب العلوية بطريقة دقيقة للغاية خلال جراحة التبديل المزدوج، ومن ثمَّ يتم خياطتها معًا من اجل تحويل الدم من الأوردة النظمية إلى حجرة الضخ اليمنى، والدم من أوردة الرئة إلى حجرة الضخ اليسرى. يُطلق على هذا الجزء من العملية اسم عملية (سينينغ)."

 

وتتضمن العملية أيضًا تبديل الشرايين، حيث يتم فيها ُفصل الشريانين الرئيسيين الخارجين من القلب، ثم يُعاد توصيلهما في موضعيهما الصحيحين. وأضاف الطبيب الجراح كوستولني: "الخطوة التالية هي عملية تبديل الشرايين، حيث يتم فصل الوعائين الرئيسيين الخارجين من القلب، ثم يتم تبديل مصباتهما. بالإضافة إلى ذلك، يتم نقل الشريانين اللذين يقومان بتغذية عضلة القلب إلى موضعهما الجديد على الوعاء المقابل."

 

من خلال إجراء جراحة التبديل المزدوج، يتم القيام بتبديل توصيلات القلب حتى تعود إلى مساراتها الطبيعية بين حجرات الضخ والدورة الدموية إلى الرئتين والجسم. ومن ضمن العمليات الجراحية التي يتم إجراءها في القلب، تقع عملية التبديل المزدوج ضمن العمليات الأكثر تعقيداً، ونسبةَ لندرتها وعدم وجود عدد كبير من المرضى لا تزال الخبرة والنتائج المتوفرة بشأنها محدودة. مع ذلك، تشير جميع الأدلة المتاحة إلى أن هذا النهج يُحَقِق أفضل النتائج على المدى الطويل لمرضى مثل كريستوف، الذين يعانون من مرض ال (سي سي تي إيه).

الطبيب الجراح مارتن كوستولني، استشاري جراحة القلب والصدر

يظهر كريستوف ومعه دمية الدُّب المُفضَّلة له في غرفته بمستشفى جريت أورموند ستريت
كريستوف ومعه دمية الدُّب المُفضَّلة له في مستشفى جريت أورموند ستريت

شعرت عائلة كريستوف بالاطمئنان خلال فترة إقامتهم في مستشفى جريت أورموند ستريت. "لقد شعرنا جميعًا براحة واسترخاء كبيرين في مستشفى جريت أورموند ستريت. جميع أفراد الطاقم الطبي ودودون للغاية ومحترفون. سيحظى مستشفى جريت أورموند ستريت دائماً بموقعٍ خاص في الذاكرة."

 

ومن ضمن ما سنتذكره بوضوح هي الطريقة التي تم بها إدخال كريستوف إلى غرفة العمليات. "تظل الكيفية التي تم بها تحضير كريستوف للتخدير متألقة في ذاكرتنا، إذ قامت الممرضة بنفخ فقاعات الصابون أمامه، وبينما كان مستمتعًا بذلك، قام طبيب التخدير بتجهيز جهاز التخدير وترتيب كل ما يلزم. وسارت الأمور بسلاسة تامة دون خوف أو توتر. وبينما كان يلعب بالفقاعات، غلبه النعاس وأصبح جاهزًا للعملية".

 

كان الجزء الأصعب هو الانتظار أثناء إجراء الجراحة

عائلة كريستوف

 

وقام الطبيب الجراح كوستولني بوصف فترة النقاهة قائلًا: "تم نقل كريستوف إلى وحدة العناية القلبية المركزة بعد الجراحة، وتم بعدها فصله عن جهاز التنفس الصناعي في اليوم الأول عقب إجراء العملية. كانت فترة ما بعد الجراحة سلسة. وغادر المستشفى في اليوم التاسع بعد العملية."

 

كان والدا كريستوف على تواصل وثيق طوال فترة علاجه. "لقد حرصنا على حضور جميع الفحوصات، وحتى بعد خروجه من المستشفى، لنتمكن من دعمه طوال الوقت. قبل الجراحة، شرحنا له بصورة لطيفة ما يمكن توقع حدوثه خلال العملية. تقبَّل كريستوف الأمر بشكل جيد وتعاون بشكل ممتاز خلال فترة النقاهة."

 

وفي تعليقه على التحسن في التعافي الذي طرأ على كريستوف، قال الطبيب الجراح كوستولني: "أُعجبتُ بسرعة تعافي كريستوف، لا سيما بالنظر إلى مدى تعقيد العملية. لقد تعافى بشكل ممتاز من الجراحة، ووالداه يخبراننا باستمرار بأنه يتمتع بنشاط كبير منذ عودته إلى وطنه سلوفينيا."

كريستوف في غرفة العمليات قبل إجراء العملية وأحد أفراد الطاقم يلاعبه بالفقاعات لتسليته بينما تكتمل عملية التخدير.
كريستوف قبل العملية وأحد أفراد الطاقم يلاعبه بالفقاعات لتسليته بينما تكتمل عملية التخدير.

وفي طريق التعافي مستقبلاً، من المُقرر أن يبقى كريستوف تحت الملاحظة. قال الطبيب الجراح كوستولني: "سيستمر في متابعة تقدم حالته الصحية مع فريق أطباء القلب المحليين. من المتوقع ألا يحتاج إلى أي تدخل لمدة 5 إلى 10 سنوات على الأقل. من الصعب التنبؤ بالوضع على المدى الطويل لهذا النوع من الجراحات في القلب مهما كانت درجة نجاح الجراحة."

 

اليوم، كريستوف يعيش بصحة جيدة. "كريستوف يتمتع بشعور تعافي بدرجة كبيرة وهو نشيط للغاية. بفضل الجراحة التي تم إجراؤها له في مستشفى جريت أورموند ستريت، يُمكننا أن نتطلع إلى مستقبله بأمل كبير. هذه الجراحة تُتيح له أن يعيش حياة طبيعية."

 

وقام والدا كريستوف - تاديجا وديجان - بالتعبير عن شكرهما العميق قائلين: "ننصح جميع الآباء بمستشفى جريت أورموند ستريت." جميع الموظفين ودودون للغاية ومحترفون، ويضم المستشفى غرف ألعاب رائعة وغرفًا جميلة ذات أجواء مريحة، كما تُقدم رعاية روحية مع الحرص على راحة جميع الزوار.

 

و يقف وراء كل عملية جراحية معقدة فريق طبي ماهر دنباً إلى جنب مع عائلة مُثابِرة. تُذكّرنا قصة كريستوف بما يُمكن تحقيقه عندما تبدأ الرعاية مبكرًا، ويتم تبادُل الخبرات عبر الحدود،  من أجل منح الأطفال فرصة للنمو والازدهار.

 

كريستوف مع عائلته في موطنه سلوفينيا.